حارة الولي بجدة… لم يبقَ منها سوى اسم الشارع وقبر الولي

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في جدة التاريخية، تحتفظ أسماء المواضع بشيء من ذاكرة المدينة، بينما تحفظ الوثائق تفاصيل أوسع مما بقي في الاستعمال اليومي. ومن ذلك «حارة الولي»، التي لم يبقَ مما يدل على تسميتها اليوم سوى اسم الشارع وقبر الولي السيد أبي بكر العلوي، فيما يكشف صك مؤرخ سنة ١٢٦١هـ عن حضورها باسم صريح: «حارة الولي العارف بالله تعالى السيد أبي بكر العلوي».

وتقدم اللوحة التعريفية لسوق العلوي، التابعة لبرنامج جدة التاريخية، نبذة موجزة عن السوق ومكانته بين أسواق جدة القديمة، وتذكر أن تسميته تعود إلى السيد أبي بكر بن أحمد المعروف بالعلوي، المدفون فيه سنة ١١٢٨هـ، بحسب ما ورد فيها. كما تشير إلى امتداد السوق وصلته بشارع قابل، وإلى معالم من بينها بيت نصيف والمساجد العريقة. ويُضاف إلى التعريف بمعالم هذا المحيط بيت الحجاز.

غير أن الصك يضيف إلى هذا التعريف معلومة جوهرية؛ فالاسم لم يكن مقصورًا على سوق أو شارع، وإنما كان اسم حارة يُستعمل في التوثيق العقاري لتعيين المكان. وهذا فرق له قيمته في قراءة تاريخ جدة وعمرانها؛ إذ إن ذكر الحارة في وثيقة معاملة يكشف عن تسمية متداولة ومعروفة في زمن تحريرها، تتصل بهوية الموضع وبالشخصية التي نُسب إليها.

ولا تعني سنة ١٢٦١هـ أنها سنة نشأة الحارة أو ابتداء تسميتها، وإنما هي تاريخ شاهد وثائقي يثبت تداول الاسم آنذاك. كذلك فإن ما تذكره اللوحة عن قِدم الاستيطان في منطقة السوق ينبغي تمييزه عن تاريخ ظهور اسم العلوي؛ فتاريخ استيطان المكان، وتاريخ تسميته، وتاريخ نشاطه التجاري مسائل متصلة، ولكل منها شواهدها.

إن اختصار الاسم في «سوق العلوي» أو اسم الشارع يُبقي جانبًا من الذاكرة، لكنه لا ينقل وحده الدلالة التي حفظها الصك: حارة تحمل اسم الولي السيد أبي بكر العلوي، ويظل قبره شاهدًا مكانيًّا على هذه الصلة.

ومن هنا تأتي أهمية استكمال اللوحات التعريفية بشواهد الوثائق المحلية، وإتاحة صورها وقراءاتها للباحثين والزوار؛ فالعناية بجدة التاريخية تشمل حفظ أسماء حاراتها ودلالاتها، إلى جانب صيانة مبانيها وأسواقها. وهذا الصك جدير بأن يكون ضمن مادة التعريف بالمكان، حتى يعرف المارّ بشارع العلوي أنه يمر باسمٍ بقي من حارة، وبذاكرةٍ ما زالت الوثائق تحفظ تفاصيلها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *