خاطرة الجمعة.. ليست كل الجروح مرئية.. فهناك أذى يسكن القلوب وتتركه المواقف في الأعماق

بقلم الأستاذ/  صلاح حلمي شوك 

أخي الغالي.. أختي الغالية..

صباح الخير، وصباح القلوب التي رغم ما مرت به من خذلان، ما زالت تحاول أن تحتفظ بنقائها وطيبتها.

ليس كل أذى نراه بالعين، وليس كل شخص يحمل في داخله نية الإيذاء تبدو ملامحه كاشفة لحقيقته؛ فهناك جروح لا تترك أثرًا على الجسد، لكنها تترك ندوبًا عميقة في الروح، وهناك كلمات تبدو عابرة في نظر قائلها، لكنها تظل عالقة في ذاكرة من سمعها، وربما لا يستطيع تجاوزها بسهولة.

فالكلمة القاسية أذى، والتقليل من شأن الآخرين أذى، وغياب التقدير أذى، والاستهانة بمشاعر من حولنا أذى، والتخلي وقت الحاجة خذلان، والكذب يهدم الثقة، واستغلال طيبة إنسان منحك الأمان من أقسى صور الإساءة. فليس بالضرورة أن يكون الأذى صراخًا أو اعتداءً أو خصامًا؛ فقد يكون صمتًا في غير موضعه، أو تجاهلًا متعمدًا، أو وعدًا لم يُنفذ، أو موقفًا كشف حقيقة لم نكن نريد رؤيتها.

والمؤلم في الأمر أن بعض الناس يبالغون في محاسبة الآخرين على أخطائهم الصغيرة، بينما يجدون دائمًا لأنفسهم الأعذار مهما عظمت أخطاؤهم، وكأن مشاعر الآخرين أمر قابل للتجاهل، وكأن الاعتذار ضعف، والاعتراف بالخطأ انتقاص من الكرامة، مع أن الاعتذار الصادق لا يقلل من قيمة صاحبه، بل يكشف عن نضجه واحترامه لمن أخطأ في حقه.

كم تمنينا لو كانت القلوب تمتلك زرًا نمحو به كل إساءة، ونحذف من ذاكرتنا كل موقف مؤلم، ونستطيع أن نعود كما كنا قبل الخذلان، نمنح الثقة دون خوف، ونحب دون حسابات، ونتعامل بعفوية دون أن نترقب ضربة جديدة من شخص كنا نظنه مصدرًا للأمان.

لكن الحقيقة أن بعض المواقف لا تمر بسهولة، وبعض الجروح لا تشفى بمجرد مرور الأيام، خصوصًا عندما تأتي الإساءة ممن منحناهم مكانة خاصة، وفتحنا لهم أبواب قلوبنا، واعتقدنا أنهم آخر من يمكن أن يؤذينا.

لقد أنهكتنا لحظات الخذلان المتكررة، وأحزنتنا الأسباب الواهية التي اختار البعض بسببها التخلي عنا، وأوجعتنا مواقف لم نكن نتخيل يومًا أن نكون أبطالها، لكنها علمتنا الكثير؛ علمتنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بكثرة كلماته، وإنما بصدق مواقفه، وأن المحبة الحقيقية لا تظهر في أوقات الرضا وحدها، بل تتجلى حين تختلف الظروف وتشتد الأزمات.

ومن دروس الحياة المهمة أن التسامح لا يعني أن نسمح بتكرار الإساءة، وأن طيبة القلب لا تعني التنازل عن الكرامة، وأن الاحتفاظ بالمحبة لا يفرض علينا البقاء في علاقات تستنزف أرواحنا. فمن حقنا أن نسامح، ومن حقنا أيضًا أن نضع حدودًا تحمينا من تكرار الألم.

والأشد وجعًا أن بعض الهزائم لا تأتي من الذين نعاديهم، بل من الذين أحببناهم، ولم نتوقع منهم يومًا أن يكونوا سببًا في حزننا؛ فليست كل الضربات تأتي من الغرباء، بل أحيانًا تأتي من أقرب الناس إلى قلوبنا، وتكون قسوتها بقدر ما منحناهم من ثقة وأمان.

فلنحرص على مشاعر الآخرين كما نحرص على مشاعرنا، ولنتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن جبر الخواطر من أجمل صور الإحسان، وأن الإنسان قد ينسى ما قيل له، لكنه قد لا ينسى أبدًا كيف جعله الآخرون يشعر.

لا تكن سببًا في وجع قلب اطمأن إليك، ولا تستغل ثقة من فتح لك أبواب حياته، ولا تجعل اعتذارك مجرد كلمات تكررها بينما تستمر في ارتكاب الأخطاء نفسها.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في إيذاء بعضنا البعض، والقلوب أضعف من أن تتحمل كل هذا الخذلان.

💝 صباح الخيرات.. صباح القلوب الطيبة التي لا تعرف الإساءة، والنفوس التي اختارت أن تظل نقية رغم قسوة التجارب.

جمعة مباركة، ملؤها المحبة والسكينة وراحة البال.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *