كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات
من الآيات ذائعة الصيت في باب الرزق قوله تعالى في سورة الذاريات:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وفيها تجد تقريرا لعدة حقائق، منها:
أن الله سبحانه لا يكتفي بأن يخبر عباده أنه لا يريد منهم رزقا ولا طعاما، وإنما يعقب ذلك مباشرة بتعريف نفسه: “إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ”وكأن الآية تنقل الإنسان من وهم السؤال: من أين يأتي رزقي؟ إلى حقيقة أعمق: من هو صاحب الرزق أصلًا؟
وقد نبّه ابن عاشور إلى أن هذه الجملة تعليل لما قبلها: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾، وأن “الرزاق” هنا يشمل المال والإطعام، وأن صيغة “فعّال” تدل على كثرة الإرزاق ان صح الاشتقاق.
فالمسألة إذن ليست أن الله يرزق أحيانا، ولا أنه يرزق طائفة دون طائفة، وإنما أن فعل الإرزاق من فعله المتكرر الكثير، الذي تتسع دائرته لتشمل الخلق وحاجاتهم.
لكن القرآن لا يقف عند “الرزاق”، وهذه هي النقطة التي تستحق أن نتأملها طويلا، حيث يقول سبحانه بعدها مباشرة ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ والسؤال هنا: لماذا جاء الحديث عن القوة مباشرة بعد الحديث عن الرزق؟
لأن الرزق في التصور القرآني ليس مجرد شيء يصل إليك؛ إنه فعل يحتاج إلى قدرة، وكلما اتسعت دائرة الرزق اتسعت الحاجة إلى بيان قدرة الرازق.
ولذلك يقول الطبري في تفسير الآية: إن الله هو الرزاق لخلقه، المتكفل بأقواتهم، ثم يصفه بأنه ذو القوة المتين؛ أي صاحب القوة التي لا يُقهر ولا يُغالب.
وهنا تبرز كلمة “المتين” فهي ليست تكرارا تجميليًا لكلمة “القوة”، ولا مجرد مرادف أدبي لها، فمادة “م ت ن” في العربية تدور حول الصلابة والشدة والتماسك، وقد نقل الطبري أن القراءة المشهورة هي: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ بالضم، وبالتالي تكون وصفا لله سبحانه، بمعنى الشديد القوي.
ونقل كذلك قراءة أخرى بالجر: “ذو القوة المتين” على أنها صفة للقوة، مستندة إلى معنى القوة في الشيء المحكم المبرم، كالحبل الذي اشتد فتله وتماسك، ثم رجّح الطبري الرفع، فجعل “المتين” صفة الله تعالى.
وهذه المعلومة اللغوية تفتح بابًا بالغ الأهمية في فهم الآية من حيث كون المتانة ليست مجرد وجود القوة، وإنما إحكام القوة وشدتها وثباتها.
ولهذا كان ابن عاشور أكثر صراحة في بيان هذه الدلالة، فهو يفسر “المتين” بأنه الشديد القوة، وينقل أن هذا الاسم يرجع إلى معاني القدرة، وأن معناه كمال القوة بحيث لا يعارض صاحبها ولا يُدانى، لافتا إلى أن إضافة “ذو” إلى “القوة” تشير إلى أمر عظيم الشأن، وأن القوة هنا قوة منزهة عن النقائص.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لم يقل القرآن في هذا الموضع “إن الله هو الرزاق القوي” مثلا، مع أن “القوي” من أسمائه سبحانه، إنما اختار بناءً أطول قليلا لكنه أعمق دلالة: ﴿الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
فهي ثلاث درجات متتابعة فهو الرزاق الذي يكثر منه الإرزاق، وهو ذو القوة الذي يملك القدرة التي يقوم عليها هذا الإرزاق، وهو المتين صاحب القوة الشديدة المحكمة التي لا يلحقها ضعف ولا يعارضها أحد.
وهنا يظهر شيء بالغ الجمال في هندسة الآية: القرآن لا يعرّف الرزق منفصلًا عن قدرة الرازق، فالإنسان حين ينظر إلى رزقه ينظر عادة إلى السبب الأقرب كالوظيفة، او الراتب، أو التجارة، إو رضا عملائه، أو المحصول، أو الصفقة، أو الميراث!
لكن القرآن يدفعه خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى يرى السلسلة كلها، وراء السبب مُسبِّب، ووراء حركة الأسباب قدرة، ووراء القدرة قوة متينة لا تعتمد على شيء من الأشياء التي يعتمد عليها الإنسان.
وهذا المعنى يزداد وضوحًا إذا تذكرنا أن الآية جاءت في سياق نفي حاجة الله إلى خلقه، فالخلق هم الذين يحتاجون إلى الطعام والرزق، وليس الله الذي يحتاج إلى أن يطعموه، ولذلك يشرح ابن عاشور أن وصف الله بأنه الرزاق ذو القوة المتين يؤكد غناه المطلق عن الخلق؛ فهو لا يخلقهم ليستفيد منهم أو يستمد منهم نفعا، وإنما خلقهم لحكمة العبادة وعمران الكون.
وهكذا تتغير زاوية النظر إلى الرزق، فهو ليس تبادلًا بين محتاجين، وإنما الرزق في أصله صادر عن غني لا يحتاج إلى من يرزقه… أنت تأكل والله لا يأكل، أنت تحتاج إلى المال والله لا يحتاج إليه، أنت تبحث عن السبب والله خالق السبب والمسبَّب، أنت تخاف من انقطاع مورد بينما مورد الرزق عند الله لا يقوم على المورد الذي تخاف فقدانه.
ولعل هذا أحد أعمق وجوه مجيء “المتين” في نهاية السلسلة؛ فالأسباب في حياتنا ليست متينة، الوظيفة قد تزول، السوق قد ينكمش، التجارة قد تخسر، الصحة قد تتغير، الناس قد يتبدلون، والأبواب التي ظنناها ثابتة قد تُغلق… لكن القرآن لا يطلب منك أن تستمد طمأنينتك من ثبات الأسباب؛ إنه يردك إلى ثبات المصدر.
وهذا ليس تفسيرًا منقولًا بلفظه عن المفسرين، وإنما محاولة تدبر مبنية على دلالة “المتين” التي قررها علمائنا.
فإذا كان “المتين” هو شديد القوة، وإذا كان الله هو الرزاق المتكفل بأقوات خلقه، فإن اطمئنان العبد لا ينبغي أن يتأسس على متانة السبب، وإنما على متانة القدرة التي وراء السبب.
والأشد دلالة أن القرآن وضع “المتين” مرة واحدة اسمًا لله سبحانه في القرآن،في هذا الموضع تحديدا، وإن كان لفظ “متين” جاء مرة أخرى في وصف الكيد: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
ولا نملك نصًا تفسيريًا معتبرًا يقول إن سبب عدم تكرار الاسم هو كذا، فلا ينبغي أن نخترع سرا قطعيا، لكن يمكننا أن نتأمل خصوصية موضعه… لقد جاء الاسم في الموضع الذي يتحدث فيه القرآن عن الرزق، وكأن السياق يحتاج إلى وصف القدرة التي لا تضعف وراء فعل الإرزاق.
بل إن في القراءة الأخرى التي نقلها الطبري لطيفة لغوية لا ينبغي إغفالها؛ فقد فهمت “المتين” على أنها صفة للقوة، على معنى القوة المبرمة المحكمة، كالحبل شديد الفتل كما قرر اللغويون، فمجرد وجود هذا الوجه في العربية يكشف شيئا من دلالة الكلمة التي تعني أنها القوة المتماسكة المحكمة، لا القوة العارضة التي قد تنفك أو تتهاوى.
ومن هنا ربما نستطيع أن نرى الرزق القرآني في صورة مختلفة تماما، صورة نظام محكم يناسب الشبكة الهائلة من الأسباب والمراحل، يناسب الاتساع الزماني والمكاني، يناسب كثرة الأعداد وتعدد الأنواع.
نظام قائم على قدرة متينة… الماء، والنبات، والإنسان، والعقل، والعمل، والمال، واللقاء، والفرصة، والتوقيت، والنتيجة؛ حلقات لا يحصيها عقل، يجري بعضها إلى بعض في شبكة الرزق الكبرى، ولذلك كان من تمام المناسبة أن يختم التعريف بالرزاق بقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
فالذي يرزق هذا العدد الهائل من الخلق، في اختلاف حاجاتهم وأزمانهم وأمكنتهم، ليس رازقا محدود القدرة، ولا صاحب مورد ينفد، ولا قوة تحتاج إلى مدد، إنه الرزاق صاحب القوة المتين.
ولهذا، حين تضيق بك أبواب الرزق، لا تكن مشكلتك فقط أنك لا ترى الباب؛ ربما تكون المشكلة أنك تنظر إلى الباب أكثر مما تنظر إلى صاحب الأبواب، فالقرآن لا يقول لك: الأسباب لن تتغير، ولا يقول لك: لن تضيق عليك الدنيا، لكنه يأخذك إلى الحقيقة الأثبت، وهي أن السبب قد يتغير ولا يتغير الرزاق، قد ينقطع المورد ولا تنقطع القدرة، قد يضعف ما في يدك ولا تضعف يد الله.
وهنا في كلمة واحدة هي “المتين” تنتقل قضية الرزق من مجرد سؤال عن كم سيأتيني؟ إلى سؤال أعمق بكثير وهو على أي قوة أقيم قلبي حين تتغير كل القوى من حولي؟
والجواب القرآني لا يتركك تبحث طويلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.