كتب / حسن الجندي
متابعة زاجل الإخباري
شهد الصالون الثقافي، الذي عُقد يوم الخميس الأول من شهر أكتوبر، لقاءً فكريًا موسعًا تناول عددًا من القضايا التاريخية والثقافية والاستراتيجية المرتبطة بمصر والمنطقة، وذلك من خلال كلمة المفكر والمحلل الاستراتيجي الأستاذ محمد جاد هزاع، الذي قدم خلال اللقاء مجموعة من الرؤى والتصورات حول مفهوم الوعي، وأهمية الهوية والانتماء، والتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، إلى جانب قراءة عدد من المحطات التاريخية والاستفادة من دروسها في التعامل مع الواقع الراهن.
وجاءت كلمة هزاع حافلة بالعديد من المحاور، حيث أكد أن مصر عرفت عبر تاريخها الطويل تحديات وصراعات متعاقبة، إلا أنه رأى أن طبيعة بعض التحديات المعاصرة أصبحت تتجاوز المواجهة التقليدية، لتصل إلى التأثير في منظومة الأفكار والقيم والانتماء والوعي داخل المجتمع.
الوعي والانتماء.. معركة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية
وتوقف هزاع أمام مفهوم الولاء والانتماء، معتبرًا أن الحفاظ على وعي المواطن وهويته يمثلان عنصرين أساسيين في حماية تماسك المجتمع.
وأشار إلى أن ما وصفه بـ«الغزو الثقافي» يستهدف، في رؤيته، التأثير في عمق الأسرة المصرية، باعتبار الأسرة إحدى أهم المؤسسات التي تسهم في تشكيل شخصية الإنسان وقيمه وطريقة نظرته إلى المجتمع والوطن.
وأكد أن مواجهة التأثيرات الثقافية لا تكون بالانغلاق، وإنما من خلال بناء شخصية تمتلك القدرة على المعرفة والتمييز والنقد، وتستطيع التعامل مع الأفكار المختلفة دون أن تفقد ثوابتها وهويتها.
بين الدين والمظهر.. حديث عن الوعي الديني
وتناول المفكر والمحلل الاستراتيجي خلال كلمته قضية الوعي الديني، متحدثًا عن مخاطر ما وصفه بالمظاهر الشكلية للدين عندما تنفصل عن الفهم الصحيح والوعي المتوازن.
كما أشار إلى ما أطلق عليه «الوهبنة» في سياق حديثه عن بعض أنماط التدين والمظاهر الدينية، رابطًا ذلك، من وجهة نظره، بالحاجة إلى التمييز بين جوهر الدين وبين المظاهر أو التصورات التي قد تُقدَّم باعتبارها تعبيرًا وحيدًا عن التدين.
وأكد أن القضية، في تصوره، ليست في الدين ذاته، وإنما في كيفية فهم الإنسان للدين وتعامله معه، ومدى انعكاس هذا الفهم على سلوكه وعلاقته بالمجتمع والآخرين.
الماسونية ومخططات تفكيك المنطقة
وتطرق هزاع إلى ما وصفه بالمخططات الدولية التي تستهدف المنطقة العربية والإسلامية، متحدثًا عن «الماسونية» باعتبارها، وفق رؤيته، إحدى الأدوات التي ترتبط بمشروعات تستهدف تفكيك الدول وإعادة تشكيل المنطقة.
وأشار خلال حديثه إلى خرائط ومخططات قال إنها نُشرت خلال تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1996، وتناولت تصورات لإعادة تقسيم المنطقة إلى كيانات أصغر.
وفي هذا المحور، طرح هزاع رؤيته بشأن ضرورة التعامل مع مثل هذه الطروحات بالبحث والتوثيق ودراسة مصادرها وسياقاتها، وعدم الاكتفاء بتداولها دون التحقق من أصلها ومدى ارتباطها بالوقائع السياسية الفعلية.
مصر.. تاريخ طويل من الوحدة والحضور الحضاري
وتوقف هزاع عند التاريخ المصري، مشيرًا إلى أن المصريين يمثلون، وفق طرحه، واحدة من أقدم التجارب الإنسانية في بناء الدولة والمجتمع الموحد.
وربط بين التاريخ المصري القديم وبين أهمية إدراك المواطن لقيمة الدولة المصرية وتراكمها الحضاري، مؤكدًا أن قراءة التاريخ لا ينبغي أن تكون مجرد استدعاء للماضي، وإنما وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
الإنسان بين الجسم والنفس والقلب والعقل والروح
ومن المحاور اللافتة في كلمة هزاع حديثه عن الإنسان باعتباره منظومة متكاملة، مؤكدًا أهمية تحقيق التوافق بين الجسم والنفس والقلب والعقل والروح.
وأوضح أن اختلال التوازن بين هذه المكونات ينعكس على شخصية الإنسان وقدرته على التعامل مع الحياة ومشكلاتها، مشددًا على أن بناء الإنسان لا يرتبط بالمعرفة وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين العقل والقيم والوعي والسلوك.
وربط هزاع هذه الرؤية بأهمية إعداد إنسان قادر على مواجهة الضغوط والتحديات، دون فقدان القدرة على التفكير أو الانجرار وراء الانفعال.
القانون الدولي والديمقراطية.. قراءة نقدية
وتناول اللقاء كذلك قضية القانون الدولي والديمقراطية، حيث طرح هزاع رؤية نقدية بشأن استخدام بعض المفاهيم والنظم السياسية في التأثير على المجتمعات.
وأكد أهمية النظر إلى هذه المفاهيم في سياقاتها السياسية والتاريخية، وعدم التعامل معها باعتبارها أدوات منفصلة عن موازين القوى والمصالح الدولية.
ويأتي هذا الطرح ضمن نقاش أوسع حول كيفية تفاعل الدول مع النظام الدولي، وهي قضية تتطلب التفريق بين المبادئ القانونية المعلنة وبين الممارسات السياسية التي تختلف باختلاف الظروف والمصالح.
الوحدة العربية كمدخل لمواجهة التحديات
وفي محور آخر، تحدث هزاع عن العالم العربي والعلاقات بين الدول العربية، معتبرًا أن الوحدة والتعاون العربي يمثلان، من وجهة نظره، بداية مهمة في مواجهة التحديات المشتركة.
وأشار إلى أن المنطقة تواجه ملفات متشابكة تتعلق بالأمن والاقتصاد والثقافة والسياسة، الأمر الذي يجعل التعاون بين الدول العربية أحد الموضوعات التي تستحق البحث والنقاش المستمر.
الرأي لا يكتسب ثقله دون الحقائق
وشدد هزاع خلال كلمته على أهمية التفرقة بين الرأي والحقيقة، مؤكدًا أن الرأي الذي لا يستند إلى معلومات وحقائق علمية موثوقة لا يمكن أن يمثل أساسًا قويًا للحكم على القضايا.
ودعا إلى اعتماد البحث والتحقق قبل تبني المواقف، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يصاحبه من صعوبة أحيانًا في التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة غير الدقيقة والتحليل الشخصي.
الأمن القومي المصري وحدود الدولة
وتناول هزاع مسألة الأمن القومي المصري باعتبارها أحد المحاور الرئيسية في حديثه، مشيرًا إلى أن مصر تواجه تحديات متعددة، وأن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الدولة، وفق رؤيته، هو الفوضى الداخلية أو حدوث اختراقات تؤثر في أمن حدودها.
وأشار إلى أهمية الحفاظ على استقرار الدولة وتماسكها، معتبرًا أن الموقع الجغرافي لمصر ودورها الإقليمي يجعلانها طرفًا محوريًا في معادلات المنطقة.
وتحدث كذلك عن المخاطر المرتبطة بمحاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، معتبرًا أن مصر تحتل مكانة محورية في أي تصور يتعلق بمستقبل المنطقة.
«ملاحم ما قبل الملحمة الكبرى»
وفي إطار حديثه عن التطورات الإقليمية والدولية، استخدم هزاع تعبير «ملاحم ما قبل الملحمة الكبرى» لوصف المرحلة التي يرى أن العالم والمنطقة يمران بها، في سياق رؤيته للتغيرات والصراعات المتداخلة.
وجاء هذا التعبير ضمن قراءة تحليلية قدمها خلال اللقاء، وليس باعتباره توصيفًا رسميًا أو حقيقة سياسية متفقًا عليها، وهو ما يفتح الباب أمام النقاش حول طبيعة المرحلة الراهنة وتداعياتها على المنطقة.
الإدراك والوعي.. مفهومان مختلفان
ومن الأفكار التي حظيت بمساحة في كلمة هزاع، حديثه عن الفرق بين الإدراك والوعي.
وأوضح أن الإدراك يرتبط بما يستقبله الإنسان من الخارج، بينما يرتبط الوعي بما يتشكل داخله من فهم واستيعاب وتحليل، معتبرًا أن الإنسان قد يدرك الحدث دون أن يمتلك بالضرورة وعيًا كاملًا بأبعاده ونتائجه.
ومن هنا، أكد أهمية الانتقال من مجرد استقبال المعلومات إلى تحليلها وفهم سياقاتها وربطها بالأحداث المحيطة.
القصص القرآني.. دروس وعبر
وتطرق هزاع إلى أهمية القصص في القرآن الكريم، معتبرًا أن سرد قصص الأمم السابقة يحمل الكثير من الدروس التي يمكن للإنسان الاستفادة منها في حياته.
وأكد أن الهدف من استحضار القصص ليس مجرد معرفة الأحداث الماضية، وإنما استخلاص العبر وفهم أسباب النجاح والإخفاق، والاستفادة منها في التعامل مع القضايا المعاصرة.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ»، بما يبرز قيمة العبرة والاتعاظ في قراءة القصص القرآني.
التاريخ المصري وتجربة الستينيات
وأفرد هزاع جانبًا من حديثه للتاريخ السياسي المصري، مشيرًا إلى أن بعض التحركات والسياسات التي اتبعتها مصر خلال ستينيات القرن الماضي ارتبطت، بحسب رؤيته، بحسابات تتعلق بالأمن القومي والظروف الإقليمية والدولية في ذلك الوقت.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن تلك التجارب لم تخلُ من إخفاقات، وأن عوامل داخلية وخارجية أثرت على نتائج بعض السياسات والتوجهات.
وتعكس هذه القراءة أهمية دراسة التاريخ بصورة متوازنة، بحيث لا تقتصر القراءة على النجاحات أو الإخفاقات وحدها، وإنما تشمل الظروف والضغوط والبيئة السياسية التي أحاطت بصناعة القرار في كل مرحلة.
الوعي والتفاؤل والإيجابية في مواجهة الضغوط
وفي ختام محاور كلمته، ركز هزاع على أهمية بناء الوعي، والتفاؤل، والإيجابية، والرشد، مؤكدًا أن مواجهة التحديات تحتاج إلى إنسان قادر على التفكير الهادئ وعدم الاستسلام للضغوط.
كما شدد على أهمية عدم الانسياق وراء الفوضى أو ردود الفعل العاطفية، داعيًا إلى التعامل مع الأحداث بعقلانية والاستناد إلى المعلومات قبل إصدار الأحكام.
الاختلاف لا يلغي محبة الوطن
واختتم المفكر والمحلل الاستراتيجي محمد جاد هزاع كلمته بالتأكيد على أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول الوطن، معلنًا ترحيبه بكل من يحب مصر حتى وإن اختلف معه في الرؤية أو التقدير.
وأكد أن معيار الحوار يجب أن يكون الموضوعية والاحترام والاحتكام إلى الحقائق، بما يسمح بوجود آراء متعددة داخل مساحة واحدة للحوار.
الصالون الثقافي.. مساحة مفتوحة للفكر والحوار
وجاءت كلمة محمد جاد هزاع ضمن فعاليات الصالون الثقافي الذي انعقد في الخميس الأول من شهر أكتوبر، ليؤكد اللقاء أهمية وجود مساحات للحوار الفكري والثقافي، خاصة مع تشعب القضايا التي تواجه المجتمع والدولة في الوقت الراهن.
وقد جمع الطرح بين التاريخ والوعي والهوية والأمن القومي والدين والثقافة، في محاولة لفتح نقاش أوسع حول كيفية بناء الإنسان القادر على فهم واقعه، والتمييز بين الحقيقة والرأي، والتعامل مع التحديات بعقل واعٍ ورؤية متوازنة.
زاجل الإخباري ينقل أبرز ما دار في الصالون الثقافي، انطلاقًا من أهمية توثيق الحوارات الفكرية وإتاحة الأفكار المطروحة أمام القارئ، مع التأكيد على أن الآراء والتحليلات الواردة في كلمة المتحدث تعبر عن أصحابها، وتظل محلًا للنقاش والحوار والبحث والتوثيق.