بيتٌ طُمِسَ باسم التوحيد… وهو من أبلغ أبيات التوحيد

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

على الجدار الشمالي لحجرة السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، صلوات الله عليه وآله، داخل الحجرات الشريفة في المسجد النبوي، كان يُقرأ بيتٌ من الشعر يقول:

يا مَن يقومُ مقامَ الحمدِ منفردًا

للواحدِ الفردِ لم يولدْ ولم يلدِ

غير أن هذا البيت تعرّض للطمس في مرحلة دخول أصحاب الفكر المتشدد إلى الحرم النبوي، بعد أن توهّم الطامس أن في عبارته غلوًّا أو مخالفةً للتوحيد، وأن قول الشاعر: «يا من يقوم مقام الحمد منفردًا» يتضمن إسناد ما لا يجوز إسناده إلى رسول الله، صلوات الله عليه وآله.

لكن هذه القراءة لم تتأمل البيت كاملًا، ولم تربط أوله بآخره، ولم تنظر في دلالته في ضوء القرآن والسنة؛ فالشاعر لم يجعل النبي إلهًا، ولم يصرف له عبادة، وإنما وصفه قائمًا في مقام الحمد والعبودية بين يدي الله:

للواحدِ الفردِ لم يولدْ ولم يلدِ

فالشطر الثاني يفسر الشطر الأول ويغلق كل باب للتأويل الفاسد؛ إذ يبين أن قيام النبي صلوات الله عليه وآله إنما هو لله الواحد الفرد، المنزَّه عن الولد والوالد، وهي عبارة مستمدة من سورة الإخلاص، بل هي من أصرح عبارات التوحيد والتنزيه.

ومعنى البيت يتجلى بوضوح في الحديث الصحيح الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين رأت رسول الله صلوات الله عليه وآله يقوم من الليل حتى تفطرت أو تورمت قدماه، فقالت له: يا رسول الله، لِمَ تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:

«أفلا أكون عبدًا شكورًا»

وهنا يظهر المعنى الذي أراده الشاعر في قوله:

يا من يقوم مقام الحمد منفردًا

إنه قيام العبد الشكور، ووقوف النبي بين يدي ربه في مقام الحمد والثناء والعبودية، حتى أتعب قدميه الشريفتين طول القيام، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فـمقام الحمد ليس مقام ألوهية، وإنما هو مقام عبودية؛ وليس انفراد النبي فيه انفرادًا عن الله أو استغناءً به، وإنما هو تفرده بين الخلق بكمال الحمد والشكر والقيام بين يدي الله، وبما اختصه الله به من المقام المحمود يوم القيامة.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾

فالمقام المحمود منحة من الله لعبده ورسوله، وقيام النبي مقام الحمد إنما هو قيام بالعبودية لله، لا خروج عنها. ومن ثم فإن وصفه بهذا المقام هو وصف لما أكرمه الله به، وليس منازعة لله في خصائصه.

إن الإشكال لم يكن في البيت، وإنما في القراءة التي فصلت صدره عن عجزه، وأخذت كلمة واحدة بمعزل عن سياقها، ثم أصدرت حكمًا عقديًا متعجلًا عليها. ولو تدبر الطامس البيت كاملًا لوجد أن نهايته نفسها تقول:

للواحدِ الفردِ لم يولدْ ولم يلدِ

فأي توحيد أصرح من هذا؟ وأي تنزيه لله أعظم من أن يوصف بأنه الواحد الفرد الذي لم يلد ولم يولد؟

إن طمس النصوص الدينية والتاريخية قبل فهمها ليس دفاعًا عن التوحيد، بل قد يكون طمسًا لشاهد من شواهد التوحيد نفسه. وهذا البيت مثال واضح على خطر الحكم على العبارات الموروثة دون قراءة سياقها اللغوي والشرعي، ودون ردها إلى أصولها في القرآن والسنة.

لقد وقف النبي صلوات الله عليه وآله مقام الحمد، لا لأنه معبود، بل لأنه أكمل العابدين؛ وقام منفردًا، لا بمعنى الاستقلال عن ربه، بل بمعنى بلوغه في الحمد والشكر والعبودية منزلة لم يبلغها غيره.

وهكذا يصبح البيت المطموس شاهدًا على مفارقة مؤلمة: فقد طُمِسَ بدعوى حماية التوحيد، مع أنه في حقيقته من أجمل ما قيل في توحيد الله، وفي بيان عبودية رسوله، صلوات الله عليه وآله:

يا مَن يقومُ مقامَ الحمدِ منفردًا

للواحدِ الفردِ لم يولدْ ولم يلدِ.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *