صالح عطية.. قصة أصغر جاسوس مصري أربك إسرائيل وأسهم في كشف مواقع العدو بسيناء

 كتب دكتور/ شريف الجندي 

تظل قصص رجال المخابرات المصرية من أكثر صفحات التاريخ المصري إثارة وغموضًا، لما تحمله من بطولات وتضحيات خفية لم يعرف عنها الرأي العام إلا القليل. ومن بين هذه القصص تبرز حكاية الطفل السيناوي صالح عطية، الذي ارتبط اسمه بإحدى أكثر عمليات جمع المعلومات جرأة خلال الفترة التي أعقبت نكسة يونيو 1967.

وتروي الروايات المتداولة عن هذه القصة أن صالح بدأ مهمته في سن صغيرة للغاية، عندما رأت المخابرات العامة المصرية في ذكائه وقدرته على الملاحظة، إلى جانب معرفته بطبيعة المنطقة، فرصة للحصول على معلومات مهمة عن مواقع القوات الإسرائيلية المنتشرة في سيناء.

البداية.. لقاء غيّر حياة الطفل صالح

بعد نكسة يونيو 1967، كثفت أجهزة الدولة المصرية جهودها لجمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية ومواقع انتشارها في سيناء، في ظل الاستعدادات المتواصلة لمعرفة قدرات العدو وتحركاته.

وخلال إحدى المهام، التقى ضابط بالمخابرات المصرية يُشار إليه في الرواية باسم «كيلاني» بالشيخ عطية، والد الطفل صالح، بعد وصوله إلى إحدى مناطق سيناء متنكرًا في هيئة تاجر ينتظر وصول شحنة.

استضاف الشيخ عطية الضابط المصري في منزله، وخلال فترة وجوده هناك لفت الطفل صالح انتباهه، لما لاحظه فيه من سرعة استيعاب وذكاء وقدرة على الحركة ومعرفة بطبيعة المنطقة وأهلها.

ومن هنا بدأت فكرة الاستعانة بالطفل في مهمة استخباراتية شديدة الحساسية، خصوصًا أن سنه الصغيرة وطبيعته كطفل من أبناء المنطقة كانتا تسمحان له بالحركة في أماكن قد يصعب على عناصر أخرى الوصول إليها.

وبحسب الرواية، وافق صالح على التعاون، مدفوعًا برغبة في المساهمة في إخراج القوات الإسرائيلية من أرض سيناء.

طبق البيض.. وسيلة للوصول إلى مواقع العدو

كان التحدي الأكبر أمام القائمين على المهمة هو إيجاد وسيلة تسمح للطفل بالدخول إلى المواقع الإسرائيلية دون إثارة الشكوك.

وجاءت الفكرة من نشاط اعتاد صالح القيام به؛ إذ كان يربي الدواجن ويبيع البيض.

وهكذا أصبح طبق البيض وسيلة للعبور إلى مواقع القوات الإسرائيلية، حيث بدأ صالح في التردد على عدد من النقاط والمعسكرات لبيع البيض للجنود.

وبمرور الوقت، أصبح وجوده مألوفًا لدى الجنود، وهو ما أتاح له التحرك بصورة أكثر سهولة داخل المناطق التي كان يدخلها.

وتذكر الرواية أنه تعرّف خلال هذه الفترة على عدد من الجنود والضباط الإسرائيليين، ومن بينهم ضابط إسرائيلي من أصل يمني يُشار إليه باسم جعفر درويش، وكان مسؤولًا عن إحدى النقاط العسكرية.

من طفل يبيع البيض إلى مصدر للمعلومات

في البداية، لم تكن مهمة صالح تقتصر على نقل معلومات محددة، وإنما كان يتلقى تدريبات على الملاحظة الدقيقة، وتسجيل ما يراه ويسمعه، ثم نقل المعلومات إلى ضابط المخابرات المصرية في المواعيد والأماكن المتفق عليها.

وبحسب ما ورد في الروايات المتعلقة بالقصة، تمكن صالح من جمع معلومات عن طبيعة المواقع العسكرية الإسرائيلية، وأماكن المدفعية والأسلحة الثقيلة، ومولدات الكهرباء وخزانات المياه، إلى جانب تفاصيل تتعلق بمواقع الحراسة والأسلاك الشائكة وأماكن إقامة الضباط والجنود.

كما ساعده التدريب الذي تلقاه على التعرف على أنواع مختلفة من الأسلحة والمعدات العسكرية، وهو ما جعل المعلومات التي ينقلها أكثر قيمة ودقة.

مرحلة جديدة.. أجهزة الرصد داخل مواقع العدو

ومع تطور المهمة، انتقلت عملية جمع المعلومات إلى مرحلة أكثر حساسية، بعدما تلقى صالح تدريبًا على زرع وسائل رصد داخل بعض المواقع.

وتشير الرواية إلى أن أجهزة صغيرة جرى وضعها في أماكن داخل غرف القيادة وبعض منشآت المواقع الإسرائيلية، بهدف الحصول على معلومات عن الاتصالات والتحركات داخل تلك النقاط.

وكان نجاح صالح في التحرك دون إثارة الشكوك أحد أهم أسباب استمرار المهمة، خصوصًا أن وجود طفل في تلك المناطق لم يكن يثير في البداية مستوى الشك الذي قد يحيط بتحركات شخص بالغ.

قبل حرب أكتوبر.. نهاية المهمة

استمرت مهمة صالح خلال سنوات ما بعد النكسة، في وقت كانت فيه مصر تستعد لمعركة استعادة الأرض.

وقبل حرب أكتوبر 1973، صدرت تعليمات بنقل صالح وأسرته إلى القاهرة، لتنتهي بذلك مرحلة شديدة الخطورة من مهمته في سيناء.

وبعد انتصار أكتوبر، ارتبطت القصة بلقاء صالح بالرئيس الراحل محمد أنور السادات في قريته ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية.

وتروي الرواية أن السادات استقبل الطفل الذي أصبح أحد عناصر قصة المخابرات المصرية، وحيّاه بتحية عسكرية، في مشهد يعكس تقدير القيادة السياسية للدور الذي قام به خلال سنوات المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

وتنسب الرواية إلى السادات عبارة شهيرة قالها لصالح: «جننت الإسرائيليين يا واد»، في إشارة إلى النجاح الذي حققه في الوصول إلى مواقعهم وجمع المعلومات عنها.

كما تتداول الروايات أن المعلومات التي ساهم صالح في جمعها سببت ارتباكًا كبيرًا داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وأن أحد مسؤولي الموساد تعرض لأزمة صحية خطيرة عقب اكتشاف حجم الاختراق.

من طفل في سيناء إلى أحد رجال المخابرات المصرية

وتكتمل المفارقة في قصة صالح عطية، وفق الرواية المتداولة، بأنه لم يكتفِ بالدور الذي قام به وهو طفل، وإنما التحق لاحقًا بجهاز المخابرات العامة المصرية، ليواصل حياته داخل المؤسسة التي بدأت علاقته بها وهو لا يزال صغيرًا.

وتشير الرواية إلى أنه جلس في وقت لاحق في المكتب نفسه الذي كان يعمل منه الضابط «كيلاني»، الذي كان صاحب فكرة الاستعانة به في البداية.

وهكذا تحولت قصة الطفل السيناوي، الذي بدأ مهمته بطبق من البيض، إلى واحدة من القصص التي تُروى عن الدور الذي قامت به عناصر المخابرات المصرية في جمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية في سيناء خلال السنوات التي سبقت حرب أكتوبر.

وتبقى قصص المخابرات بطبيعتها محاطة بدرجات كبيرة من السرية، ولذلك فإن بعض التفاصيل المتداولة عن هذه الرواية تحتاج إلى الرجوع إلى المصادر والوثائق الرسمية للتأكد من دقتها وتفاصيلها الكاملة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *